أبي منصور الماتريدي
172
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يحتمل : نِعْمَتَ هاهنا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وهو من أعظم النعم . ويحتمل « 1 » : نِعْمَتَ ، الإسلام وشرائعه . ويحتمل : نِعْمَتَ ، هي التي أنعمها على خلقه جملة . النعمة على ثلاثة أوجه : النعمة بالإسلام ، تقتضى منه المحافظة . والنعمة الخاصة ، تقتضى الشكر . والنعم العامة جملة ، تقتضى منه التوحيد . وقوله : وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ ، وهو القرآن . ففيه دلالة أن الْكِتابِ ، هو منزل ، ليس كما يقول القرامطة « 2 » ؛ لأنهم يقولون : بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ألف القرآن ، وإنما كان
--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 2 / 496 ) . ( 2 ) وأما تسميتهم بالقرامطة ففي سبب ذلك ستة أقوال : أحدها : أنهم سموا بذلك ؛ لأن أول من أسس لهم هذه المحنة محمد الوراق المقرمط ، وكان كوفيا . والثاني : أن لهم رئيسا من السواد من أنباط ، يلقب : بقرمطويه فنسبوا إليه . والثالث : أن قرمطا كان غلاما لإسماعيل بن جعفر فنسبوا إليه ؛ لأنه أحدث لهم مقالاتهم . والرابع : أن بعض دعاتهم نزل برجل يقال له : كرمية ، فلما رحل تسمى قرمط بن الأشعب ، ثم أدخله في مذهبه . الخامس : أن بعض دعاتهم رجل يقال له : كرمية ، فلما رحل تسمى باسم ذلك الرجل ، ثم خفف الاسم فقيل : قرمط ، قال أهل السير : كان ذلك الرجل الداعي من ناحية خوزستان ، وكان يظهر الزهد والتقشف ، ويسف الخوص ، ويأكل من كسبه ، ويحفظ لقوم ما صرموا من نخلهم في حظيرة ، ويصلى أكثر الناس ، ويصوم ، ويأخذ عند إفطاره من البقال رطلا من التمر فيفطر عليه ، ويجمع نواه فيدفعه إلى البقال ، ثم يحاسبه على ما أخذ منه ، ويحط من ذلك ثمن النوى . فسمع التجار الذين صرموا نخلهم فوثبوا عليه وضربوه ، وقالوا : لم ترض بأن أكلت التمر حتى بعت النوى . فأخبرهم البقال في الحال ، فندموا على ضربه ، وسألوه الإحلال ، فازداد بذلك نبلا عند أهل القرية ، وكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا ، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة ، ثم أعلم الناس أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم مرض ومكث مطروحا على الطريق ، وكان في القرية رجل يحمل على أثوار له ، وكان أحمر العينين ، وكان أهل القرية يسمونه كرمية لحمرة عينيه ، وهو بالنبطية : حار العين ، فكلم البقال كرمية هذا في أن يحمل هذا العليل إلى منزله ، ويوصى أهل الإشراف عليه والعناية به ، ففعل ، فأقام عنده حتى برئ ، ثم كان يأوى إلى منزله ودعا أهل القرية إلى أمره فأجابوه ، وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا ، ويزعم أنه يأخذ ذلك إلى الإمام ، فمكث يدعو أهل القرى فيجيبونه ، واتخذ منهم اثنى عشر نقيبا ، وأمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه ، وقال لهم : أنتم كحواريى عيسى بن مريم عليهما السلام ، فشغل أكرة تلك الناحية عن أعمالهم بما رسمه لهم من الخمسين صلاة التي ذكر أنها فرضت عليهم . وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع ، فوقف على تقصير أكرته في العمارة ، فسأل عن ذلك ، -